“بوح الجوى من عهد الوصال إلى عهد الفراق” قراءة في قصيدة “ذات جوى” للشاعرة المغربية عزيزة صبان / بقلم: د. جيهان علي الدمرداش / مصر


القصيدة ضمن ديوان صدر حديثاً للشاعرة بعنوان:
“جزر ومد (وريقات ذكرى)” ويبدو أن تلك الحالة المترددة بين المد والجزر طغت على الذات الشاعرة في قصائد الديوان، ففي قصيدة “ذات جوى” أخذتنا الشاعرة معها في رحلة عشق عبر محطات، بل قل قفزات شعورية مضطربة قدمت كلا منها في لوحة متكاملة ترسم مشهداً مسرحياً لمرحلة من مراحل رحلة العشق بدءًا من اللوحة الأولى التي تبدأ ب”ذات عهد” نشاهد مشهدا للحبيبين يتعاهدان على الوصال دون افتراق ومجابهة محن الحياة وعنائها حتى النهاية فإما حياة هانئة في ظل العشق وإما مغادرتها إلى القبر معاً دون فراق، ونشعر -نحن- معها أننا أسرى لمشهد العشق وقداسة العهد.

ذاتَ عهد… قُلْتَ لِي ..
تعالي نتفق.. ألا نفترق…
من قلب المحن..
نلملم نبضات شاردة..
ننثرها ربيعا..
على أوردة العناء…
و في سطر الحياة..
(….)

ثم تقفز بنا الذات الشاعرة المضطربة إلى مشهد آخر
“ذات وأد” حيث تموت العهود والمواثيق وتدفن أمام طوفان الأعذار والأهواء، وتتحول مشاعر العشق المقدس إلى مشاعر الألم والندم.

تقول: ثم خبَّرتني.. ذاتَ وأد..
كيف تَمرُز.. الأهواء..
فيضَ أعذار..
من أثداء.. العشم…
وتُخلِق الأرزاء..
صبرَ آهاتٍ..
في زفرات الألم..

لكن العشق الصادق يلوح مجدداً “ذات جوى” ليدفع الذات الشاعرة إلى التسامح والتغافر والتغافل عن الزلات:

دعنا نتغافر.. نواياً..
تناءت بِسوسها.. الزلات..
دعنا نمحو.. جراحاً..
قُمِست بدمائها.. الأوبات

فقد يعود التسامح بالقلوب إلى لوعة البدايات، لكن هيهات أن تعود القلوب كما كانت لنصل معها إلى النهاية من خلال المفارقة التي تتقابل مع البداية حيث الاتفاق على الافتراق.

فلنتفق.. أن نفترق..
ذات جوىً..!!
فالاضطراب في الحالة الشعورية انتقل من عهد الوصال:
ذاتَ عهد… قُلْتَ لِي..
تعالي نتفق.. ألا نفترق..
إلى عهد الافتراق:
فلنتفق.. أن نفترق..
والعشق الصادق كان وراء العهدين.

وقد ضمنت الشاعرة لوحاتها الشعورية بالألفاظ والتراكيب المكتنزة بالدلالات الإيحائية العميقة؛ فنلاحظ استخدام التركيب الإضافي خلال مشاهد الرحلة (ذات جوى، ذات عهد، ذات وأد) وقد غلب على الأبيات استخدام هذا التركيب (أوردة العناء- سطر الحياة- زفرات الألم- أسمال فجر….) مما أكسب اللغة التكثيف الشديد المحمل بالخيال ذي الدلالات الإيحائية العميقة، فجاءت اللغة سلسة طيعة مكثفة تحمل صوراً مجازية -الصورة أكثر الأدوات البلاغية إنتاجاً للشعرية- وقد انتظمت الصور البلاغية في إطار كلي بعلاقات حية نابضة مما جعل الصور تخرج لنا مركبة تحمل معها سياقاً من الخيال الممتزج بالمشاعر المختزنة؛ على سبيل المثال من صور المشهد الأول: (نلملم نبضات شاردة.. ننثرها ربيعا/ ننقش ومضات خالدة…نَنظمها نسيجا) فهناك خيطاً شعورياً يجمع الصور إلى جانب ذلك الإيقاع في حركة الصور من خلال التناسب في تركيب عناصرها وكلماتها.
وهكذا تظافرت الألفاظ والتراكيب والصور المجازية في التعبير عن الحالة الشعورية للذات الشاعرة.

د. جيهان علي الدمرداش / مصر



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *