كورونا و امتداد أساطير العصور الوسطى / بقلم: ذ. سمير العوادي / المغرب


ظلت الخرافة جاثمة على التفكير البشري كضيفٍ مقيم لزمن طويل. و من ينظر في علاقة الإنسان مع الطبيعة، يجد الدّجل و الخرافة و الأساطير؛ أسباب و مبررات جعلت منه كائناُ جاثياً [كائنا ميتافيزيقيا على حد تعبير شوبنهاور]. يبرع كثيراً في إقامة الأصنام و تأليه الظواهر و من تمَّ الأتخاد من الأشياء رموزا للتقديس. وقد أكد التاريخ ذلك في كثير من المحطات. و من يستحضر أشعار هوميروس و الألواح الاوغاريتية و الملحمات السومرية (جلجامش مثلا)؛ يكون في مقدرته وضع يده على مصدر الصدى الذي يتردد إلى الآذان اليوم على أنه صوت الحاضر و الحقيقة.

لقد عجز الإنسان خلال مساره التطوري على فهم الكثير من الظواهر الطبيعية، فكان حلّه الوحيد عبادتها. فأنشد لها التراتيل و قدم القرابين! فبقي على هذه العادة دوماً و حافظ على جوهر الفكرة، بالرغم من كونه قد طوّر العلم و تمكّن من الحساب و برع في علم الهيئة.

و بالتالي نجد على امتداد الحقب الزمنية، الأسطورة و الخرافة سائدة، بينما يأخذ التفكير النّقدي الهامش و لا يحظى إلا باهتمامات فردية أدت بصاحبها إلى الهلاك في كثير من المناسبات بالرغم من تلك الأهمية العلمية التي لولاها لما تقدّم البشر في شيء.
فتكون الأفكار الخرافية إذن؛ سائدة حتى في تلك الأزمنة التي تربّعت على العرش و نصبت نفسها ذروة قُصوى لما استطاع الجنس البشري ان يحققه منذ ظهوره. و ما جعل قولنا ذا يستقيم؛ هو مقاربة ربما يتضح من خلالها جليّا الثبات القائم في طريقة التفكير و طريقة مواجهة المآسي. و قد شكّلت الأمراض و الأوبئة؛ إحدى أهم تلك المآسي، أي [المادة الخام] و جعلت الإنسان يشعر بالجهل و الخوف إزاء ما يتربّصه من خطر يودي بحياته مرة بعد مرة. فكان الكائن الماورائي ملاذًا وحيدا و ضامناً للصحة و الشفاء أحياناً. و في أحيان أخرى يكون هو الباعث باللعنات كما سنعرض لاحقاً. و لا تهمّ طبيعة هذا الكائن سواءً كان شيطاناً أو ملاكاً، أو حتى إلهاً من الآلهة.

يجد المرء نفسه اليوم في مواجهة كائن مجهري، فيروس دقيق لا يؤمن بمنطق السيف ولا الرصاص، ولا يقيم وزنا للدعاء و الصلوات. و لا يمكن الخلاص منه إلا بالإعتداد بما منحته الطبيعة للأفراد من مناعة، وحتى هي تفشل أيضاً في حالات كثيرة، ما لم يتم تطعيمها عن طريق لقاحات يتم التوصل إليها عن طريق العلم الذي ذمّته الخرافة و نبذت رجالاته و حاربتهم زمناً طويلاً. و يشكّل هذا الوباء اليوم تحدّيا حقيقا مرة أخرى أمام العقل البشري. و يجعلنا نعيد قراءة سرديات الأزمنة الخوالي. و لطالما كان إنسان اليوم مزهوّا بشطر الذرة و الصعود إلى القمر، موجّها أصابع الإتهام و التبخيس لمن سبقه من الأمم؛ على أنهم قد كانوا قوم جهلٍ عاشوا ساذجين و ماتوا كذلك.
فعندما يتم الحديث عن العصور الوسطى مثلاً، يتبادر إلى الأذهان غالباً زمنٌ يعج بالجهل و غارق في الظلمات، ليتم التصريح ضمنيّا بأن زمن اليوم أفضل بكثير! و الحق أنه لا يمكن القول أنه تمة فرق ما بين الزمنين في طريقة التفكير حول الأمراض و الأوبئة على وجه الدقة. و لنأخذ على سبيل الفحص مثالاً من زمن العصور الوسطى و نقارنه بمثال آخر -لحظي و آني- من الحاضر. لننظر إلى ما اعتقده الناس حول “الموت الأسود” [الطاعون] خلال ذلك العصر؛ وما يعتقدونه اليوم حول وباء “كورونا”؟

خلال محاولتنا للبحث في المصادر من أجل وضع يدنا على إنسان ذلك العصر و طريقة تفكيره نجد بيرتراند راسل قد خطّ في هذا الأمر كتاباً عنونه بالدين في مواجه العلم. و قد خصّ فيه فصلا كاملاً لمناقشة المعتقدات التي سادت حول الأوبئة في زمن أوغسطينوس. بحيث كانوا [في العصور الوسطى] يعتقدون أن الأمراض إما عقاب يوقعه الله نتيجة ارتكابهم للمعاصي، أو أنه من عمل الشياطين و من الممكن الشفاء عن طريق القدّيسين إما بأشخاصهم أو بما يخفونه وراءهم من بقايا مقدّسة. و قد وجدت هذه الخرافات تأييداً كبيرا من طرف رجال الدين و الأناجيل! يقول بيرتراند راسل “في العصور الوسطى زاد الاعتقاد بفاعلية بقايا القدّيسين و آثارهم [..] و كان امتلاك الكنيسة لمخلّفات القديسين ذات القيمة مصدر دخل لها و للمدينة التي توجد فيها هذه المخلّفات” (العلم و الدين -ص ٧٨-ترجمة رمسيس عوض- دار الهلال). وقد كانت الغيرة مما حققته المسيحية الدافع الأول وراء الهجوم الذي تشنّه الشياطين. و التي ينبغي أن نفهمها على أنها آلهة الوثنيين التي تتخذ من جبل الأولب مسكنها، وهي تقف هناك في خدمة الشيطان الأكبر [إبليس]. و هو رأي تبنّاه الشاعر ميلتون في “الفردوس المفقود”، وقد عبّر الآباء الآخرون على أن الطب عديم الجدوى، و أن الشفاء سيأتي عن طريق الأيادي المقدسة. و نقدّم القديس فرنسيس كمثال أيضا لما كان متداولاً في زمنه، بحيث يُعتقد أنه يمتلك المعجزات، و أنه كان يستطيع تحويل الماء المالح في عرض البحر الى ماء عذب! كما اعتقدوا و آمنوا بأن الطاعون كان غضباً من عند الله، فأوجدوا الحلّ سريعاً! بحيث أوصى الإكلروس بشدة عامة الناس أن يقدّموا الأراضي للكنيسة، و الإقدام على قتل اليهود و التوقف عن الزهو بتشييد “كاتدرائية أهل سيينا” بمثل تلك الروعة و الإبداع! كما أنهم حرّموا علم التشريح بداعي أنه يمنع بعث الأجساد من الموت.

فبالنظر إلى البنية الذهنية التي تعامل بها الآباء مع الاوبئة آنذاك في زمن العصور الوسطى، يتبيّن حجم الدجل و الخرافة و حجم التشوه الذي لحق ملكة التفكير النقدي. و هذه البنية لم تتوقف مع انقضاء ذلك العصر، بل استمرت تنخر الأدمغة في هدوء تام ولم تقض عليها كل تلك الثورات الفكرية التي جاءت بعد ذلك العصر. حتى مجيئ زمن كورونا اليوم؛ فعادت تطفو من جديد. بحيث لجأ العامة من الناس الى وسائل للوقاية في ظل عجز العلم عن توفير حل بديل و سريع. فكان الوهم بطل المرحلة. فخرج بعض المنتسبين إلى الميادين العلمية بخطابات تفيد عدم وجود أي وباء يحمل اسم كورونا، وأن هذه الضجة ما هي إلا مؤامرة من أجل تصريف الأدوية و التحكم في الشركات العابرة للقارات، و تقزيم بعض القوى الاقتصادية الصاعدة. أخذ الناس هذا القول مأخذ الجدّ الى أن دخل الوباء الأجساد و بدأت أسرّة المستشفيات تمتلئ و رُفِع شعار “أنقذونا، نحن نختنق”، فاقتنعوا أن كورونا حقيقة و واقع بالفعل لا بالمؤامرة. فدخل الكثيرون في المرحلة الثانية، بحيث لجأوا الى الآلهة [على غرار ما أقدم عليه أنصار المسيحية خلال العصور الوسطى] ، فدخلوا المرحلة الثانية من الدجل و الوهم. و كان عنوانها الطب البديل و التداوي بالأعشاب، و ارتفعت أسعار البصل و الثوم و أوراق السنوبر ارتفاعا جنونيّاً، مع أن حتى أكبر المتخصصين في علم الفيروسات صرّحوا بجهلهم لطبيعة “كوفيد-19”.

أكل القوم الثوم و البصل و أكثروا البخور، لكن النشرات الإخبارية اليومية حول الحالة الوبائية أظهرت لهم سخافة ما يفعلون. فتذكروا فجأة أن -لن يصيبهم إلا ما كتّب الله لهم- فخرجوا الى الشارع مرددين الدعاء من أجل أن يرفع الله عنهم الوباء. لم يفلح هذا الجهل و الدجل كله، فأجبروا على القول بنفاذ حلول الأرض و أن الأمر متروك للسماء. فجلسوا شهوراً ينتظرون الحل من السماء! في حين اعتدّ العلماء بالعلم و تسلّحوا بما توفروا عليه من مختبراتهم فعملوا على تطوير للقاح. و حين تم التوصل إليه، استأنف الدجل و الكهنوت عمله، فطالب البعض بالمكونات من أجل النظر فيها ما إن كانت حلالاً أم حراماً.

الى هنا؛ يتضح إذن أن لا فرق بين الخرافة في القرون الوسطى و خرافة اليوم. و يتبين جليّا أنه قد يُظلَم أهل العصور الوسطى حينما يتم التوجه إليهم بالتبخيس، و إدانتهم بالظلمات و فساد الثقافة. فلكل زمنٍ علماؤه و دجالوه. و العصر الذهبي هو ذلك الذي أعطيت فيه القيمة للعلماء و نُبِذ فيه أهل الدجل. و يغطّ القوم في الانحطاط عندما يبجّل الدجال و يتم التنكيل بالعلم و العلماء.

ذ. سمير العوادي / المغرب



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *