مقاربة نفسية اجتماعية في تحليل ملصق إشهاري لمنتوج بيبسي Pepsi / بقلم: ذة. الزوهرة الجهاد / المغرب


المحتويات

تقديم

المبحث الأول ( نظري):
1-
تعريف علم النفس- الإجتماعي.
2- أهداف علم النفس- الإجتماعي.
3- علم النفس الإجتماعي و الإشهار.

المبحث الثاني ( تطبيقي):
– تحليل ملصق إشهاري لمنتوج بيبسي Pepsi

خاتمة


تقديم:
لقد صار التحليل النفسي – الإجتماعي تصورا نظريا و منهجا تطبيقيا في أغلب الميادين المعرفية و الدراسات الفكرية الإنسانية و أداة في مقاربة كل الأنساق الدلالية اللغوية و غير اللغوية. كما أنه أصبح طريقة حداثية في دراسة هذه الأنساق؛ و لابد من الإلتجاء إليه قصد تقديم فهم غير تقليدي لها و تبني آليات جديدة في التأويل و القراءة لموادها، على اعتبار أن علم النفس – الإجتماعي هو العلم الوحيد الذي بمقدوره رصد الأبعاد النفسية و الاجتماعية لكل الأنساق اللسانية و غير اللسانية و محاولة فهمها فهما يتناسب و السياقات النفسية و الاجتماعية للمرسل و المرسل إليه. و في مقدمة الأنساق التواصلية غير اللسانية تحضر الصورة الإشهارية بوصفها أداة فعالة تضطلع بمهام عديدة: تواصلية، نفسية، فنية، تربوية، جمالية، تجارية…
و نظرا لأهمية الصورة الإشهارية و للسلطة الكبيرة التي أصبحت تتمتع بها؛ حيث تحولت من أيقونة إلى سلاح تقني وتعبيري يستهدف النفاذ إلى الذوات والتأثير عليها، فقد آثرنا في هذا البحث المتواضع، الوقوف على بعض آليات أدائها و إنتاجها لدلالات معينة تتناسب مع موضوعها في مقاربة نفسية – اجتماعية لملصق إشهاري لمنتوج بيبسي Pepsi. و على هذا الأساس قسمنا دراستنا – كأسلوب إجرائي – إلى مبحثين: أولهما نظري، وقفنا فيه على مفهوم علم النفس- الاجتماعي و أهدافه وعلاقته بالإشهار. و ثانيهما محور تطبيقي، حاولنا فيه قراءة صورة ملصق إشهاري لمنتوج بيبسي ، مستعينين في ذلك بالخطوات التي قام بها الدارس الفرنسي البارز في هذا الميدان الكاتب الفرنسي رولان بارث Barthes Roland؛ الذي كتب مجموعة من الأبحاث في معالجة الملصقات و اللوحات الإشهارية و أهمها “بلاغة الصورة” image`que de liRhétor التي حلل فيها صورة إشهارية لشركة Panzani المختصة في صناعة المعجنات.
و ذيلنا هذه المحاولة الدراسية بخاتمة عن أهمية التحليل النفسي – الاجتماعي كعلم يكشف عن القيم الدلالية و عن الأبعاد “الجوانية” للأشياء، و في دراسته للصورة الإشهارية يعيد المعنى الخفي لها و يرصد معلومات غير مرئية عنها.

المبحث الأول:
1-
تعريف علم النفس- الاجتماعي:
يعرف الكاتب جودة بني جابرعلم النفس الإجتماعي بأنه ” فرع من فروع علم النفس يدرس السلوك الإجتماعي للفرد والجماعة كاستجابات لمثيرات اجتماعية، وهو يهتم بدراسة التفاعل الاجتماعي ونتائج هذا التفاعل، وهدفه هو بناء مجتمع أفضل قائم على فهم سلوك الفرد والجماعة”. [1]
أما عالم النفس الفرنسي لوبون كوستاف فقد قدم في مقدمة كتابه “سيكولوجية الحشد” تعريفا مفصلا لعلم النفس- الاجتماعي قائلا بأنه “الدراسة العلمية لسلوك الكائن الحي ككائن اجتماعي يعيش في مجتمع مع أقرانه، يتفاعل معهم فيتأثر بهم ويؤثر فيهم، أي يتأثر بسلوكهم ويؤثر في سلوكهم. وعلم النفس الاجتماعي كفرع من فروع علم النفس، يهتم بدراسة الفرد في إطار المجتمع، فسلوك الأفراد يتأثر على الدوام بالجو الاجتماعي الذي يحيط بهم، والإنسان بحكم طبيعة تكوينه هو في الأصل فرد اجتماعي، إذ أنه يولد معتمداً في معيشته وتدبير شؤونه على الآخرين، ويمضي حياته كلها تقريباً وهو في اتصال أو احتكاك مع هذا الفرد أو ذاك”. [2]
ومن هذين التعريفين نخلص إلى أن علم النفس- الاجتماعي يجعل سلوك الفرد داخل المجتمع مركز اهتمامه. كما يرصد التفاعلات الحاصلة بين هذا الفرد و المجموعة البشرية التي ينتمي إليها، على أساس أن هذه التفاعلات تقود عملية التأثر و التأثير و عملية التطبيع أو ما يسمى في علم النفس- الاجتماعي ب” التنشئة الإجتماعية” وهي عمليات تضع الحدود أمام السلوك الغريزي للفرد خاصة بعد سن الخامسة ليتحول إلى كائن اجتماعي ملتزم بالثقافة التي ينتمي إليها و يعايشها.
و معنى هذا أن فهم الإنسان لا يكتمل إلا من خلال علاقته بالآخرين، و أيضا من خلال البيئة التي ينخرط فيها منذ خروجه إلى الوجود بكل مظاهرها وشروطها، الشيء الذي يعني حضور الآخر في حياتنا و ممارسة تأثيره علينا، و يكون موقفنا نحن منه إما إيجابيا أو سلبيا.


2- أهداف علم النفس- الاجتماعي:
أجمعت بعض الدراسات على أن علم النفس- الاجتماعي يسعى في دراسته إلى تحقيق مجموعة من الأهداف و المقاصد، أهمها:
• تحسين مستوى صحة الفرد النفسية.
• التصدي للمشاكل الإجتماعية التي تسيء إلى الشخصية الإجتماعية و تؤثر على الصحة النفسية للفرد.
• تحديد العوامل المؤثرة في سلوك الفرد و الجماعة.
• تحديد المراكز و الأدوار الإجتماعية لتجنب مظاهر الصراع و الاصطدام داخل المجتمع.
• تحسين مستوى التفاعل الاجتماعي بين الأفراد و المؤسسات الرسمية.
• تطوير و تعزيز أساليب و قنوات الاتصال بين أفراد المجتمع و تحصينهم من الدعايات الكاذبة و الشائعات و الإشهارات الخادعة و المضللة.
• تطبيق علم النفس الإجتماعي عمليا في شتى مجالات السلوك الإجتماعي وفي حل المشاكل الإجتماعية.


3- علم النفس الاجتماعي و الإشهار:
إن المرجع الأساسي والأول للإشهار هو علم النفس – الاجتماعي؛ وبالرغم من أن الإشهار اعتمد في بداياته على عدة نظريات إلا أنه حافظ على المقاربة النفسية و الاجتماعية كنقطة إرتكاز له؛ فبعد أن كان يعتمد على إعطاء الصورة المثال والجاهزة إنتقل مع تطور المجتمعات إلى نظرية المثير والإستجابة، وركز على الألوان الفاقعة والجذابة التي يمكن لها أن ترسخ في الذاكرة البصرية وتنتهي برسم صورة في المخيلة تجبر المتلقي أو تدفعه إلى اعتمادها في اختيار مشترياته. و مع تقدم المجتمعات و تطورها ظهر علم النفس التسويقي كعلم قائم بذاته يعتمد على علم النفس التحليلي كما يستحضر الأبعاد الإجتماعية في تحليله للخطاب الإشهاري الذي يعتبره “كبسولة” معبأة و مشحونة بالإرساليات ذات الأبعاد المختلفة، و مهمته بالضبط هي تفكيكها و إعادة تركيبها في سبيل تحقيق هدف واحد هو إقناع المتلقي، من خلال استعمال الأفكار ذات المضامين المؤثرة في المستهلك الذي سيتلقى هذه الإرسالية و دراسة حياته النفسية وسلوكه داخل المجتمع و تحديد كوامن عقله اللاواعي وحاجياته الفعلية وجميع معطياته بدقة: فئته العمرية ، نوعه، طبقته، لغته و على أساسها يتم اختيار الصورة التي ستوجه إلى المستهلك المستهدف و التي تكون في أساسها موجهة إلى الهو الكامن داخل هذا الفرد، فتوقظ داخله جميع الشهوات الآسنة و تحرك فيه كل الرغبات المنشودة سواء كان طفلا أو مراهقا أو شابا أو كهلا أو شيخا، إمرأة أو رجلا، فيصبح المنتوج بناء على الصورة التي يحملها مصنوعا على مقاس مستهلك دون غيره وهذا ما يسعى الإشهار بالضبط إلى الوصول إليه .
إن الإلمام بآليات و قواعد علم النفس- الاجتماعي في إنتاج الخطاب الإشهاري سيمكن المستشهر المحترف حتما من إنتاج خطابات إشهارية تهدف إلى إثارة الدوافع الاجتماعية و توليد الاستجابات الساخنة لدى المتلقي بتقديم “موديلات” حياتية يرغب في أن يتمثلها ويصير نسخة منها.

الملصق الإشهاري موضوع التحليل


المبحث الثاني:
تحليل ملصق إشهاري لمنتوج بيبسي بناء على المقاربة النفسية- الإجتماعية:
إن أية محاولة لتحليل ملصق إشهاري تطرح الكثير من اللبس و الجدل في الكم و الكيف المعرفيين لدى المتلقي، إذ ليس بمقدور كل منا فهم الصورة، و حتى إذا افترضنا العكس فإن هذا الفهم يكون متفاوتا إذ تتحكم فيه أبعاد إدراكية و هي الأخطر و معرفية و ثقافية و سوسيوبيئية و اقتصادية. و في حالة ما إذا توفرت هذه الأبعاد كلها و هو أمر صعب التحقق في متلق مفترض، فإن الضرورة المنهجية و الإجرائية تبقى غير موحدة تبعا للمدرسة السيميولسانية التي ينتمي إليها محلل الصورة، حيث المرجعية الإيديولوجية و الأكاديمية قائمة في كل تحليل أو دراسة.
و نظرا للصعوبة التي تواجه محلل الصورة الإشهارية، فإننا سنعتمد في تحليلنا لهذا الملصق الذي اخترناه كنموذج على نفس الخطوات التي نهجها رولان بارث باعتباره أول من قام بتحليل صورة إشهارية لمنتوج Panzani و يمكن إجمال هذه الخطوات في ثلاث نقط رئيسية و هي:


1 – المرسلة الوصفية.
2- المرسلة الإيحائية.
3- المرسلة اللغوية أو اللسانية.


1 – المرسلة الوصفية :
إن المعنى الوصفي هو المرحلة الأولى من الرسالة، وفيها يتم وصف العلاقة بين الدال والمفهوم التطبيقي للإشارة وهي الصورة الإشهارية. المدلول هو المفهوم الذهني لفحوى الرسالة هو ما يعنيه موضوع الصورة بالنسبة للمشاهد. يمكن القول أن المرسلة الوصفية للصورة الإشهارية هي الصورة ذاتها، تلك الصورة التي تجعل معطياتها الواضحة التفسير ممكنا و لا يمكن الاختلاف عليه.
إن الأمر يتعلق هنا بملصق خاص بمشروب غازي هو “بيبسي” الذي يتكون من إرساليتين:


أ‌- إرسالية بصرية: تشمل :
• مجموعة من عبوات بيبسي، تحضر واحدة في الواجهة الأمامية و تتراص أخريات على الجانبين الواحدة تلو الأخرى.
• تمازج الألوان فيما بينها : يهيمن الأسود، و يليه الأحمر، الأبيض، الأزرق القاتم والأزرق الفاتح.
• صورة لرمز المشروب PEPSI MAX ” تتموقع في وسط الصورة.


ب- إرسالية لغوية أو لسانية: تضم :
• علامة ” بيسي” التجارية متموقعة في وسط الصورة.
• كلمات مكتوبة باللغتين العربية والفرنسية، بألوان متباينة في أعلى وأسفل الصورة.
• ظهور نسب مائوية في أعلى الصورة (%100 ، %0).
• نلاحظ أيضا على يسار أعلى الصورة دائرة صغيرة بيضاء على شكل مرمى الهدف مكتوب عليها باللون الأحمر “جديد”.

2- المرسلة الإيحائية :
هي المرحلة الثانية من الرسالة المصورة و تعني العلاقة بين الإشارة والموضوع والشخص المفسر، ولفهم المعنى الإيحائي للرسالة المصورة، لابد من معرفة الواقع الثقافي والاجتماعي اللذين يفسران الاختلاف في زاوية النظر إلى الرسالة المصورة من شخص إلى آخر و من مجتمع إلى آخر.
فقراءة أية صورة إشهارية يكون بالعودة إلى تاريخ ذلك المجتمع، وكيف يستخدم الناس هذه الإشارات ضمن سياقات محددة لإنتاج المعاني الإيحائية « فساعة البرج “BIGBEN” لدى البريطانيين تعني مباشرة رمز البرلمان والديمقراطية، بينما هو مكان سياحي و طراز معماري جميل لغيرهم من ملايين السياح. صورة البقرة في بعض أجزاء الهند تمثل قيمة هامة، دينية وأسطورية، فهي لدى عدد من القبائل الهندية مقدسة بينما لا تعني شيئا أكثر من الغذاء (الحليب واللحم) أو إشارة إلى الريف في مجتمعات أخرى مثل بريطانيا ونيوزلندا ». [3]
إن مجمل العناصر الموظفة في هذه الصورة تذهب بذهن المتلقي إلى أن المشهر يهدف إلى إبلاغ رسالة مضمونها أن هذا المشروب الغازي، هو مشروب جديد متميز عن باقي المشروبات الغازية، ولعل ما يعزز هذا الطرح هو كلمة “جديد” الموجودة داخل الإطار الدائري، وتضيف الألوان ( الأحمر و الأبيض و الأسود ) الممتزجة ببعضها دائريا في شكل حلقة تشبه إلى حد كبير حلقة الهدف، بعض التأثير على المتلقي، ذلك أن كل من يشاهد هذا الملصق و يقرأ عبارة (المذاق % 100) و يقبل على استهلاك المنتوج الذي يشهر له سيكون قد أصاب الهدف و حقق الرغبة المنشودة، وهي اكتشاف هذا المذاق المتكامل أو المثالي الذي قد يحقق له المتعة.
يقرأ على الملصق أيضا “السكر % 0” مما يضع المستهلك أمام معادلة تبدو مستحيلة، وهي كيف يمكن للمستهلك أن يحصل على مذاقه المثالي باستهلاك هذا المشروب الذي يتوفر على % 0 من السكر؟.
إن هذا الطرح الذي يبدو في ظاهره متناقضا، سيكون الدافع الأساسي لهؤلاء الحائرين من المتلقين للإقدام على استهلاك هذا المنتوج، كما أن هذا التناقض يخدم شريحة أخرى من المستهلكين، وهي الشريحة التي تبحث عن المذاق الذي يستهويها وفي نفس الوقت تكون مطالبة بتجنب كل ما يحتوي على السكريات حفاظا على سلامتها الصحية . وبذلك سيكون هذا المنتوج حلا لهذه الشريحة أيضا .غير أنه لابد هنا من التساؤل عن الفئة العمرية المستهدفة في المتلقين ؟.
إن الملصق الذي بين أيدينا يخلو تماما من أية إشارة تؤشر أو تدل على عمر الفئة المستهدفة، كما أنه يخلو تماما من أية صورة لأي شخص قد يحيلنا على الجواب ، مما يعزز مقولة أن هذا المنتوج ، أي مشروب “بيبسي PEPSI” موجه إلى جميع الفئات بدون استثناء، ذكورا وإناثا، صغارا و كبارا أصحاء و متبعين للحمية. كل هذه العناصر تحيل على مقومات دلالية مضمونها أن استهلاك “منتوج PEPSI” يخلق المتعة للجميع و هذا ما تؤكده أشكال العبوات ذات الحجم المتوسط و القابلة للحمل في اليد أو الجيب فتكون بذلك مرافقه لنا أينما حللنا وارتحلنا.
و بالنسبة لحضور الألوان في الملصق، فمعلوم أن للون وظيفة أساسية في اجتذاب العين واستمالتها، بحيث يستطيع أن يؤثر في الناظر بدرجته وبضوئه وبالحيز الذي يشغله بتباينه مع ألوان أخرى في فضاء الصورة. فاللون لا يقتصر دوره على توضيح الرؤية وتعميق الإدراك فقط، وإنما يتجاوز ذلك ليمتد إلى النواحي النفسية عند الإنسان، فيغير حالته المزاجية و يبث فيه الفرح و احتمال كبير أيضا الكآبة و الحزن. مما يؤكد ضرورة و أهمية استخدام الألوان و إدماجها في الملصقات الإشهارية أو الإعلانات التجارية نظرا للدور الكبير الذي تلعبه في شد انتباه المتلقي أو المستهلك، و في التأثير القوي على وجدانه ، وبالتالي زيادة قوة تأثير الرسالة الإعلانية وزيادة درجة قبول السلعة وضمان استهلاك أوسع.
وبهذا نجد المعلن قد ركز في صورة الملصق الذي بين أيدينا على خمسة ألوان، لكل واحد منها مدلول ورمز مختلف عن الآخر.
فاللون المهيمن في هذا الملصق هو اللون الأسود الذي في سياقات أخرى مختلفة قد يوحي بالموت كما قد يوحي بالأناقة و الاحتفالية و السهر ، كما أن له إيحاءات أخرى تدل على الحزن والتشاؤم مثل ما ورد في السياق الديني الإسلامي في قوله تعالى: ” يوم تبيض وجوه وتسود وجوه”. [4]
إن المعنى الذي يؤشر عليه الأسود في الملصق موضوع دراستنا هو التوالد و التناسل الذي يعني البقاء و الاستمرارية وهذا يظهر من خلال الشكل التعددي الذي تحضر به عبوات بيبسي. كما أن اكتساحه لمساحة عريضة في الملصق يحيل على لون المشروب نفسه الذي يطغى على كل شيء و يغيب كل شيء إلا نفسه.
أما اللون الأحمر وهو اللون الذي كتب به النسق اللغوي للملصق ، فيحيل عامة على العاطفة المتوهجة و الجاذبية و الرغبة الجامحة، وهو فعلا ما يرمي إليه المعلن من خلال توظيفه لهذا اللون وهو جذب المتلقي إلى مشروب بيبسي و دفعه إلى اقتنائه.
و للأحمر إيحاءات أخرى من بينها أنه يدل على النار و الخطر و الغضب و الانتقام و الموت. كما قد نجد له في بعض الثقافات الأجنبية كالثقافة العبرية مثلا مدلولا نقيضا، حيث الأحمر يرمز إلى الدم الذي يشير بدوره إلى الحياة. وفي الثقافة اليونانية و غيرها يشير إلى الحب المتوهج و العاطفة المتأججة.
الأبيض هو اللون الذي يعبر عن «مرحلة انتقال وعبور من حالة إلى أخرى حيث يعمل المنتوج على تغيير الأوضاع السالفة وإصلاحها» [5] وهو أيضا اللون الثاني الذي كتبت به الكلمات أو العبارات في هذا الملصق. و يظهر في أعلى الملصق ليدل على السمو و التفوق كما يظهر في أعلى و وسط عبوات بيبسي ليشير إلى الحضور البارز. ويحيل هذا اللون في النسق الدلالي العام على الصفاء والنقاء و السلام والنظافة والضوء و الجزاء العظيم و النعيم كما في التصور القرآني حيث يقول تعالى: «يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين» [6]، و هي ذاتها مواصفات المنتوج.
الأزرق هو لون بارد من الألوان المفضلة في الرسم الصياغي، لأنه لون الراحة والهدوء، وأيضا لون الحلم والجدية و الثقة و رمز الاستمرار والخلود . ومن هنا يبدو أن اللون الأزرق في هذا الملصق يسعى إلى زرع الثقة والراحة في نفوس المستهلكين و إلى الخلود و الثبات فيها.
وعموما إذا كانت اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، كما جاء على لسان ابن منظور، وأحيانا تترجم هذه الأصوات إلى رموز عن طريق الكتابة، فإنه أصبح من الممكن أن نتحدث عن لغة أخرى هي لغة الألوان، حيث يتضح بناء على ما سبق أن اختيار الألوان في هذا الملصق لم يكن اعتباطيا بل انطلق من مرجعيات متعددة، بعضها ثقافي وبعضها اجتماعي وبعضها الآخر ديني، وكل هذا بهدف إقناع المتلقي باستهلاك المنتوج من خلال الرسالة الدلالية للغة الألوان.


3 – المرسلة اللغوية:
إذا كانت الصورة الإشهارية تحمل أكثر من معنى دلالي واحد، فنفس الشيء ينطبق علي الخطاب اللغوي الذي تتعدد دلالاته. إن عملية تحليل صورة اشهارية و استيعاب الدلالات التي تحملها، يرتبط بالأساس بوجود نص لغوي أو خطاب يساعدنا على هذا الفهم، بمعنى أن تفسير الصورة يرتبط بالمرسلة اللغوية و كيفية صياغتها.
فاللغة في هذا الملصق الإشهاري مشحونة بالمعاني حيث إن عبارة “المذاق %100 ، و السكر %0” تتموقع في أعلى الإطار للدلالة على ألا شيء يعلو عليها و إدماج النسب المئوية يحيل على الحقيقة المطلقة لهذا المنتوج، و الغاية هي إضفاء طابع الجودة في أعلى مستوياتها على المنتوج بهدف استقطاب المتلقي و الانتقال به إلى الفعل الشرائي. و نجد كذلك اللغة حاضرة في وسط و أسفل الإطار؛ إذ نلاحظ نوعا من التسلسل على مستوى الإرسالية من المختص “PEPSI” كإسم للمنتوج ثم “MAX” كتقديم لحجم المنتوج، إلى إرسالية خاصة حول خصائص المنتوج و مستجداته و هذا ما تعبر عنه الجملة الواردة في أسفل الملصق Un Max De Goût Sans Sucre، غير أنه لابد من الإشارة إلى ازدواجية الرسالة اللغوية، حيث اللغة العربية في أعلى الإطار و اللغة الفرنسية في وسط و أسفل الإطار. و يمكن تأويل هذه الإزدواجية اللغوية، برغبة المشهر في استهداف كل الفئات، سواء التي تتحدث باللغة العربية و هي الأعرض أو باللغة الفرنسية، و كذلك رغبته في استعمال أسلوب شبابي يمزج بين اللغتين معا في آن واحد على شاكلة ما يفعله شباب اليوم في تواصله اليومي.

الخاتمة:
يسعى الإشهار كحرفة إعلامية و ثقافية إلى تبني العديد من المقاربات في إنتاجه للإرساليات الإشهارية و من بينها المقاربة النفسية – الاجتماعية، و ذلك إما لتأكيد تمثلات نفسية و اجتماعية و ثقافية موجودة لدى المتلقي؛ أو إقناعه بقيم جديدة يؤثثها بتصورات دالة على الانفتاح و الحضارة و التحرر و هي غالبا من قبيل الميولات و النوازع التي يطمح المتلقي إلى التحول إليها. بمعنى آخر الإشهار يفرض قيمه و يقلب كل النظم لصالحه، و يصنع البديهيات التي لا يحتاج معها المتلقي إلي أي استدلال أو تبرير فيفرض عليه جماله و ألوانه و أزياءه و موضته و نمط عيشه حسب ما تمليه عليه قريحة مبدعيه و بائعي الأوهام. إنه يتقفى كل الغرائز و كل المثيرات و كل الأهواء التي بمقدورها استيلاب هذا المتلقي فينمذجه حسب أهوائه و يجعله يرى ما يحب رؤيته و يحقق لديه رغبات و حاجات غير حقيقية تجعل منه فردا مستهلكا مستلبا في مجتمع مستهلك منزوع القيم الإنسانية و مشبع بثقافة الاستهلاك من أجل الرغبة لا بدافع الحاجة.

ذة. الزوهرة الجهاد / المغرب

Zohra Eljihad / Maroc


[1] – جودة بني جابر، علم النفس الاجتماعي، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع (2004)، ص 42

[2] – Gustave Le Bon, Psychologie des foules, Ed. PUF (2003), p.9

[3] – Roland Barthes, Images, music, texte, London, Fontana, 1977. P. 44-45

[4]  نظمي أبو العطاء،  ألوان في القرآن، مجلة المنهل السعودية، ع 520 – ديسمبر، يناير (1995)، ص 112

[5] – Dictionnaire des symboles, Jean chevalier, Gheerbrant Alaint, Robert laffront/ jupiter, paris 1982 p125

[6] – نظمي أبو العطاء: المرجع السابق، ص 113


المراجع المعتمدة بالعربية


1- عبد الحميد محمد الهاشمي، المرشد في علم النفس الإجتماعي، دار ومكتبة الهلال (2007)
2- سعيد بنكراد، مقال” ولا يكف الحصان عن الصهيل”، علامات، العدد 7، 1997
3- جيرار دو لودال: السيميائيات أو نظرية العلامات، ترجمة عبدالرحمن بوعلي – دار الحوار (2004)
4- ” ألوان في القرآن”، نظمي أبو العطاء: ، مجلة المنهل السعودية، ع 520 رجب، شعبان – ديسمبر، يناير 1995


المراجع المعتمدة بالفرنسية و الإيطالية

1. Dictionnaire Hachette encyclopédique, Hachette Livre, Paris 2002

2. Oswald Ducrot, Tzeveton Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. Edit. Seuil, 1972

3. Images,music, texte, Roland Barthes, london : fontana, 1977

4. Dictionnaire des symboles ,Jean chevalier, Gheerbrant Alaint, , Robert laffront / jupiter, paris 1982

5. Che cosa è la publicità?, Vanni Codeluppri, Carrocci, Collana le Bussole, (2001) Roma

6. La publicità, teorie e prassi, Fabris Giampaolo, Franco Angeli (2004)



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *