صورة المثقّف في مشروع محمّد أركون الفكري / بقلم: د. عبد المجيد الجهاد / المغرب


لا مراء في أن أبرز ما ميّز شخصية المفكّر الراحل محمّد أركون، أنهّ لم يكن مجرد منظر يحرث في الهواء، بل كان يحفر عميقا في أخاديد التراث العربي الإسلامي، بحثا عن فهم ممكن لأسئلة حارقة تتولد أو تتجدد في عصرنا الحالي، وتجد امتداداتها في الماضي السحيق.


لقد كان محمد أركون يدرك جيدا أن لا خلاص لأزماتنا الحالية، ولا دواء يرجى لأدوائنا إلا بالكشف عن مكامن خلل الذات من داخلها، وبتفكيك بنيتها تاريخيا، وتشريحها إبستمولوجيا. وهو ما جعله يتصدى بجرأة نادرة ومهارة فريدة للجسد الإسلامي العليل، بالتشخيص والتحليل، “دون أن يشعره بالألم، أو قل بأقل ما يمكن من الألم. ولهذا السبب يتخذ الكثير من الاحتياطات والتدابير لكيلا يصدم المريض أو لكيلا يقتله تحت العملية الجراحية. إنه يعرف أن الوعي الإسلامي المعاصر مريض بل ومريض جدا، وهو يريد إنقاذه لا قتله”، كما يقول مترجم أعماله المفكر هاشم صالح.


ضمن هذا البرنامج الهام، يحتلّ الدور المنوط بالمثقف قطب الرحى في اهتمامات أركون الفكرية. فما هي الصورة التي يرسمها أركون لهذا المثقف؟ ما هو وضعه؟ وأي دور للمثقف المسلم أو العربي في عالم اليوم؟


في دلالة مفهوم المثقف:


خلافا لمحاولات العديد من الباحثين والمفكرين العرب، الذين راموا “التأصيل الثقافي” لمفهوم المثقف، كما هو شأن الراحل “محمد عابد الجابري”، في كتابه: “المثقفون في الحضارة العربية”، الذي سعى إلى “التبيئة” المفهومية للمثقف في صيغته الحديثة، والبحث له عن أشباه ونظائر في الثقافة العربية الإسلامية، وحاول من ثم، إيجاد “معادل موضوعي” يقربنا من مفهوم المثقف في مرجعيته الغربية، و”إعادة بناء هذا المفهوم بالصورة التي تجعله يعبر داخل الثقافة العربية عن نفس المعنى الذي يعطى له في الفكر الأوربي حيث يجد مرجعيته الأصلية”، (محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص: 10)


وخلافا لمسعى المفكر المغربي “علي أومليل” في مؤلَّفه الهامّ: “السلطة الثقافية والسلطة السياسية”، الذي توقف فيه عند الدلالة التاريخية لمفهوم المثقف، معتبرا أن هذا المفهوم هو من بين المفاهيم الحديثة النشأة “التي يصعب الجزم بوجودها في فترات تاريخية سابقة، مما يجعل هذه العبارة “تحيل إلى مفهوم حديث للكاتب صانع الأفكار ومروجها”، وبكون صورة المثقف، باعتباره صاحب موقف نقدي من قضايا المجتمع، وفاعل اجتماعي قادر على التأثير في الواقع. هذا إضافة إلى كونه أسس لنسق من المعارف الجديدة، اتخذت من الانقلابات العلمية الحديثة قاعدتها في إثبات نسبية الحقائق، لم يظهر إلا حديثا بعد أن ارتبط بتحول عميق في الوعي لدى الكاتب ذاته، وأصبح يعبر بالفعل عن قاعدة اجتماعية من القراء تدعم مواقفه وسلطته الفكرية، وهو ما لم يتحقق في الواقع العربي الإسلامي. (علي أومليل، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، ص: 9).


خلاف كل هذا، يعتمد أركون ما يمكن أن نسميه “استراتيجية النقد من الداخل”. وتقوم هذه الاستراتيجية بالأساس، على إعمال آليات “النقد الداخلي” والهدم والتقويض، سواء في دراسته للنصوص أو في تعامله مع إشكالات الواقع، بغية إعادة بنائها وفق رؤيا ومنظور جديدين.


في ضوء هذه المنهجية النقدية التفكيكية، يعتبر أركون أن المثقف قد ظل حاضرا بقوة في المجال العربي الإسلامي وفي مختلف المراحل والتحولات التاريخية التي عرفها هذا المجال. وللبرهنة على هذه الفرضية، قام أركون في مختلف كتاباته، بالحفر عميقا وبعيدا في بنية الفكر العربي الإسلامي، بحثا عن هذا المفهوم الخاص للمثقف. وما دام أن مخزون ثقافتنا العربية لا يسعفنا في ضبط مفهوم المثقف في هذا الإطار الخاص، وبهذه الصيغة التي يرد بها اليوم، فإنه رأى أنه من المستحب بدءا، مقاربة هذا المفهوم في مختلف أبعاده ومرجعياته السياسية والاجتماعية، والبحث في الأصول والملابسات التاريخية لنشأة ظاهرة المثقف في الفكر العربي الإسلامي، باعتبار هذا الأمر، شرطا أساسيا ومقدمة ضرورية لضبط المفهوم في مختلف مستوياته وأبعاده. إذ يعتبر أركون أنه من غير الملائم بناء مرجعية محددة لمفهوم المثقف في الثقافة العربية الإسلامية، من خلال استعادة روح تلك السجالات والنقاشات التي دارت رحاها في فرنسا حول مفهوم المثقف، كما ليس من المفيد تماما اقتراض الخطاطات النظرية التي أنتجتها الثقافة الغربية، والسعي إلى نقلها واستنساخها بشكل آلي في واقع الثقافة العربية الإسلامية. بل يعتقد على العكس من ذلك، أنه وبالعودة إلى التاريخ العربي الإسلامي، يمكن للباحث أن يستشف العديد من الإشارات التي تدلنا على المكانة الحقيقية التي كان يحظى بها العلماء بالمفهوم الديني داخل مجتمعاتهم، والتي بها تتحدد وضعياتهم وأدوارهم. (محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ص: 3).


فإذا كان التعريف الذي يعطى للمثقف، باعتباره “فاعلا اجتماعيا”، يتمايز عن غيره من الفاعلين الاجتماعيين الآخرين، وبكونه يسهم من موقعه الفكري في “إنتاج المعنى”، فإنه يمكن القول بناء على هذا المفهوم حسب أركون، بأن العلماء من رجال الدين هم مثقفون بامتياز، لأنهم يركزون كل جهودهم لتفسير معنى الوحي، ولتحديد المعاني الدقيقة للنصوص المقدسة، ولاستنباط الأحكام انطلاقا من هذه المعاني” (محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ص: 4).


ومن ثم، فقد وردت صفة مثقف بمعنى العالم الديني، وكانت هذه الصفة تطلق بالأساس على طائفة الفقهاء الذي يشتغلون “بدراسة الحقل الثقافي وإدارة شؤونه”، وهو ما كان يطلق عليهم القراء، أي حملة العلم الإسلامي الأول. وقد لعبت هذه الفئة دورا أساسيا بارزا في أحداث القرن الهجري الأول، ليصبح “العلم” مهنة متخصصة ومتشعبة في مختلف العلوم الإسلامية، مما جعل المهمة المنوطة بهم أساسا، هي “ضبط فوضى الرواية وتوحيد النص”. ( علي أومليل، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، ص: 31)


غير أن مجال الممارسة الثقافية للمثقف العربي الإسلامي سيتسع ابتداء من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، بفعل التصدع الاجتماعي والإيديولوجي الذي شهده الحقل الثقافي الإسلامي. ومن ثم، احتدم الصراع بين ممثلي اتجاهين رئيسين: أصحاب المعارف الدينية النقلية أو “الأصيلة”، وأصحاب المعارف العقلية التي اعتبرت دخيلة، وإن كانت الغلبة في هذا الصراع تميل دوما للفاعل التقليدي، الذي ظل يراقب ويتحكم في الحقل الثقافي برمته.


وابتداء من القرن الرابع الهجري سيتبلور مفهوم المثقف هذا بشكل خاص في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، باعتباره “ذلك الرجل الذي يتحلى بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري، وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط”. (محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ص: 5). وفي هذا الصدد، يورد أركون بعض النماذج الكبرى من هؤلاء المثقفين، الذين مارسوا مثل هذا الموقف الحر المستقل، كالجاحظ والتوحيدي اللذين يعتبرهما الأكثر جرأة وحداثة من بين هؤلاء المثقفين، هذا إضافة إلى أسماء أخرى مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد. (محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، الصفحة نفسها)
غير أن هذه التجربة الرائدة سرعان ما تراجعت وبدأت “تضيق وتتقلص بدءا من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، عندما راح تأسيس المدرسية (السكولاستيكية) والإعلان الرسمي للمذاهب السنية يفرضان بالتدرج ممارسة “أرثوذكسية” سكولاستيكية للفكر الديني بعيدا عن العلوم الدنيوية” (محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ص: 8)، أي بعد أن أحاط الفكر الإسلامي نفسه “بسياج دوغمائي مغلق” clôture dogmatique حسب تعبير أركون، ما زال يجد أكبر تعبيراته إلى حدود اليوم في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة.


من أجل بناء دور تاريخي لمفهوم المثقف:


لا يأخذ أركون هنا بالمفهوم العام للمثقف، الذي يطلق “على المفكر أو المتأدب أو الباحث الجامعي، وفي بعض الأحيان حتى على المتعلم البسيط” كما يقول عبد الله العروي، (عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص. 172)، بل يأخذ بهذا المفهوم باعتباره أداة للتحليل في العلوم الاجتماعية”، وباعتباره صفة أو نعتا يطلق على “شخصية تظهر في ظروف جد خاصة”. ومن هنا لا يخفي أركون أن أي حديث عن المثقف، لن يتأتى من دون البحث في وضع هذا المثقف، باعتباره فاعلا أساسيا داخل الحقل الاجتماعي.


ومن ثم، يتساءل: هل ينبغي للمثقف العربي الإسلامي أن يظل في حدود اختصاصه المعرفي لا يحيد عنه، “ولا يحشر أنفه في القضايا العامة”، أم ينبغي على العكس من ذلك، أن “يتدخل في شؤون المجتمع والسياسة والحياة؟. يجيب أركون عن هذا السؤال بالقول: إن المثقف ليس مجرد باحث متبحر في بعض ميادين العلم والمعرفة، ولكنه أيضا “مسؤول” ينبغي عليه أيضا أن ينخرط في أتون الهموم العامة لمجتمعه، وخصوصا إذا كان المجتمع يعاني من مشاكل حارقة كالمجتمع العربي والإسلامي.


وإذا كان المثقف الغربي المعاصر له الحق كل الحق في أن ينخرط أو لا ينخرط في الشأن العام، وذلك لأن مجتمعه قد تجاوز مرحلة الانعطافات الحادة والأزمات الكبرى، وأصبح ينتمي إلى مجتمع قوي ومستقر نسبيا، فإن المثقف العربي في نظر أركون، ليس له الحق مطلقا في أن يصم أذنيه أو يغض الطرف، عما يعتمل داخل محيطه الاجتماعي، أو يكتفي بالتخندق داخل التخصص العلمي الضيق، أو التبحر الموسوعي البارد، في الوقت الذي تحدق بمجتمعه أخطار مهلكة. (هامش كتاب محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ص: 27).


ولعل إحدى المهامّ الفكرية الكبرى المنوطة بالمثقف العربي اليوم في نظر أركون، هو “نقد العقل اللاهوتي القروسطي المسيطر علينا منذ مئات السنين. إذ بدون القيام بهذا العمل فلا تحرير ولا خلاص”. (محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، 331). والنقد بهذا المعنى لا يعني مغازلة النصوص الدينية من بعيد، أو استرجاعها حرفيا إلى الذاكرة، بل بتشريحها وتفكيكها وإعادة قراءتها من جديد.


ومن هنا ينتقد أركون ما يسميه “الإسلاميات الكلاسيكية” أي تلك الدراسات الاستشراقية التقليدية، التي تنتدب نفسها لدراسة الإسلام، من خلال استعادة مضمون نصوص كبار الفقهاء والمفكرين الإسلاميين الكلاسيكيين الراسخين أو المكرسين، واستنساخها بدعوى حرصها على الصرامة العلمية، وتحاشيها باسم موضوعية زائفة، إطلاق أي حكم اعتباطي أو تعسفي. وهو ما يجعل عالم الإسلاميات يتصرف في حضرة هذه النصوص، وكأنه دليل بارد في متحف، يدلك على اللوحات دون أن يتدخل في شيء، أي دون أن يفسرها أو يقيمها أو يساعدك على فهمها. والبرهان على ذلك هو إن العلاقة الفعلية المعاشة التي يتعاطاها المسلمون المعاصرون مع هذه النصوص، أو انقطاعهم الفعلي عنها، لاتهم عالم الإسلاميات ولا تدخل ضمن دائرة اختصاصه بحسب زعمه. (هاشم صالح، مدخل إلى فكر محمد أركون نحو أركيولوجيا للفكر الإسلامي).


إنّ هذا النوع من المعرفة التقليدية بالتراث الديني، يجعل التفكير لا يخرج عن كونه عبارة عن تذكر، ويجعل العقل الإسلامي، يتلقى تراثه وكأنه معطى هلامي متعال على معطيات الواقع والتاريخ. وضمن هذه الشروط، فإن مهمة المثقف المسلم ووظيفته، تختزل إلى مجرد التعرف على الشيء، لا مجرد المعرفة الحقيقية به”. (محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ص: 7- 8).


إن العقل الإسلامي بهذا المعنى مرفوض، لأنه عقل تعرف على الموضوعات، لا عقل معرفة بها، عقل يصادر على المطلوب. ومن ثم، فنقده يستدعي بالضرورة، في نظر أركون، تغيير الأطر الفكرية التقليدية التي تحد من حرية الفكر، ورد الاعتبار بالمقابل، لما يصطلح عليه، بالعقل الاستطلاعي الاستكشافي La raison émergente، كي يمارس دوره في إعادة الكشف و”التعرف على ما منع التفكير فيه”، بفعل هيمنة وسطوة “عقل دوغمائي سكولائي” “حول ما كان يمكن التفكير ويجب التفكير فيه، إلى ما لا يمكن التفكير فيه” (محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص: 7).


أما “الإسلاميات التطبيقية”، باعتبارها أحد الإجراءات المنهجية الأساسية التي يتبناها أركون ويدعو إليها في التعامل مع الموروث الديني، فتعمل على الضد من ذلك، على نقد العقل الإسلامي الدوغمائي ومنتجاته، وعلى نقد الأسس والمرتكزات التي تنهض عليها القراءات المختلفة للنص الديني، ذات “المزعم العلموي”، التي تعتبر أن الحقيقة العلمية معطاة بشكل قبلي و”موجودة كاملة في مكان ما، وفي زمان ما، يكشف عنها من حين إلى حين ودفعة واحدة” (عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 42)، وما علينا إلا أن نكشف عنها من داخل النص، بدل اكتشافها في الواقع..


إن تغيير الأطر الفكرية التي يستند إليها العقل الإسلامي، في لغة أركون، يعني في المقام الأول، تحرير هذا العقل من الأغلال والقيود الدوغمائية الداخلية التي تنخره من الداخل وتسيجه clôtures dogmatiques، وتحد من قدرته على الفعل والحركة، والتي أصبحت تشكل عائقا معرفيا يعوق المسلمين في قراءتهم لتراثهم، وكتابتهم لتاريخهم بشكل علمي موضوعي. وهذه في نظر أركون إحدى المهام الأساسية والملحة التي ينبغي أن يضطلع بها المثقف العربي الإسلامي اليوم.

د. عبد المجيد الجهاد / المغرب


المصادر والمراجع:

محمد أركون: – الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق: هاشم صالح.- الجزائر: لافوميك/ المؤسسة الوطنية للكتاب، [د.ط]، 1993.

– قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟ ترجمة وتعليق هاشم صالح.- بيروت: دار الطليعة،

– عبد الله العروي:-  ثقافتنا في ضوء التاريخ.- الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي؛ الطبعة الثالثة، 1992.

– العرب والفكر التاريخي.- بيروت- الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1983

– علي أومليل، السلطة السياسية والسلطة الثقافية.- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1996

– محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية:  محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد”.- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2000



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *