الإشهار التلفزي و الطفل / بقلم: ذة. الزوهرة الجهاد / المغرب


المحاور الأساسية

تقـديـم

المحور الأول : الأبعاد التواصلية للخطاب الإشهاري التلفزي

المحور الثاني : المقاربة النفسية – الاجتماعية للإشهار الموجه للطفل

المحور الثالث : سيكولوجية الطفل

المحور الرابع : الطفل والإشهار التلفزي بين التأثير الإيجابي والأثر السلبي

خاتمـة

**********

الإشهار التلفزي والطفل

تقـديـم :

غدا الخطاب الإشهاري خطابا مألوفا في حياتنا اليومية وظاهرة ترمز لمجتمع الاستهلاك الذي أصبحنا نعيش فيه، وأيضا أسلوب تواصل في مجالات عديدة.

        فالإشهار كما يسميه بعض النقاد أصبح “فن الحصار”، لأنه فعلا يحاصرنا في كل لحظة وحين وفي كل الأمكنة، نستعمله بوعي منا أو بدونه، يخاطب كل الحواس ويخاطب كل الفئات، لا يستثني فئة عمرية من إستراتيجيته، بل نجده يتكيف مع خصوصيته كل فئة ويحاول التواصل معها بكل الأدوات على اعتبار أنها المتلقي المستهدف أو العامل المساعد في التأثير على المتلقي المستهدف. ومثاله الإشهار التلفزي الذي يلجأ على الخصوص إلى استمالة الأطفال باعتبارهم عنصرا مؤثرا على متلق آخر هم الآباء.

فبالرغم من كونهم لا يمتلكون سلطة القرار الشرائي، إلا أنهم يؤثرون بشكل كبير على القرارات الشرائية للأسرة. وعلى هذا الأساس تأتي أهمية دراسة خصوصية العلاقة التي تربط الإشهار التلفزي بالطفل. وهنا يمكن أن نطرح التساؤل التالي : هل هذه العلاقة ذات تأثير إيجابي أم سلبي على الطرف الأهم في هذه العلاقة وهو الطفل ؟

        سنحاول تلمس الجواب عن هذا السؤال من خلال مقاربة المحاور التالية:

 1-  المحور الأول : الأبعاد التواصلية للخطاب الإشهاري التلفزي: سنقف فيه على مواصفات الخطاب الإشهاري التلفزي والأسس النظرية التي يؤسس عليها خطاباته.

2- المحور الثاني : المقاربة النفسية- الاجتماعية للإشهار الموجه للطفل : سنعالج فيه الإشهار كنسق يمارس تأثيره القوي على فئة الأطفال، وكذا اعتباراته السيكولوجية والاجتماعية التي يلم بها لإثارة استجابة الطفل.

3- المحور الثالث : سيكولوجية الطفل، وسنحاول فيه الإحاطة بالمميزات العامة لسيكولوجية الطفل في كل مرحلة من مراحل نموه، وكذلك ميولاته ودوافعه وكيفية تجاوبه مع محيطه.

4- المحور الرابع : الطفل والإشهار التلفزي بين التأثير الإيجابي والأثر السلبي : سنقف فيه على الجوانب السلبية للإشهار التلفزي  الذي يؤثر سلبا على بعض الجوانب النفسية والسلوكية لدى الطفل، وسوف لن نستثني أيضا بعض الجوانب الإيجابية للإشهار في تحقيق المتعة والانفتاح لديه.

1-المحور الأول : الأبعاد التواصلية للخطاب الإشهاري التلفزي :

      إن عمق الخطاب الإشهاري التلفزي، يتجلى في كونه خطابا يتأسس أساسا على العلاقة بين أهم عناصره وهو المنتوج وبين المستهلك. كما أنه ينزع دائما إلى تكوين خطاب تواصلي إقناعي ليستقطب هذا المتلقي ويثير فيه الإحساس والرغبة في الحصول على المنتوج. ويعتمد في ذلك على الوسائل التعبيرية ذات التأثير الفعال وأهمها التلفزيون وأيضا على الحجج المنطقية والأفكار ذات الدلالات والمضامين المقنعة والمؤثرة بحيث تولد لدى المتلقي/ المستهلك الارتياح و الطمأنينة فيقبل على شراء المنتوج عن طواعية. و إذا كان المتلقي الناضج لا يملك حولا ولا قوة ويقابل الإشهار التلفزي بالاستجابة، فإن الأطفال كفئة من المتلقين لهذا الخطاب عبر وسيط محبوب لديهم وهو التلفزيون، لا يقفون سلبيين، ذلك لأن تجربتهم كمتلقين لا تبنى فقط على معطيات حسية مادية، وإنما يتداخل فيها ما هو انفعالي ومعرفي وإدراكي، ولذلك فالطفل المتلقي للإشهار يساهم بدوره في بناء دلالة الخطاب الإشهاري وفي تثبيت وجوده بالقوة. وهذه العملية لا يمكن أن تتحقق إلا بالتفاعل المتبادل بين الخطاب الإشهاري والطفل من الناحية السيكولوجية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

    ويستند الإشهار التلفزي في صياغة مقوماته التواصلية على نظريات مختلفة تهدف كلها إلى التأثير المباشر على المستهلك لاقتناء المنتوج عن رضى وطواعية أو كما يقول رولان بارث تحويله من “مقتن بدافع الحاجة إلى مقتن بدافع الرغبة”(1).

    و أهم هذه النظريات :

1-نظرية القيمة : وفيها ” يعتبر الإشهار مصدرا للإخبار عن المنتوجات أو الخدمات، ويتم التركيز في هذه الحالة على قيمة المنتوج في حد ذاته مع التعريف بمزاياه….” (2) ومعنى هذا أن ركيزة هذه النظرية هي الإقناع بالقيمة الحقيقية للمنتوج أو الخدمة المعروضة.

2- النظرية السلوكية : هي نظرية تستند على مقولة أن المستهلك يمكنه اشتراط عاداته الاقتنائية وجعلها مرتبطة بشكل دائم بالإشهار، أي الحيلولة دون قيام علاقة مباشرة بين المستهلك و المنتوج دون أن يكون الوسيط هو الإشهار. وهذا التصور يجعل من هذا المستهلك شخصا سلبيا مفتقدا للقدرة والمعرفة الكفيلتين بجعله يقبل على منتوج ما بمحض إرادته وبناء على قراره الفردي. ولذلك يجب خلق منبهات ومحفزات للاقتناء، رافعا بذلك شعار “الاستهلاك من أجل الاستهلاك”. والتلفزيون يحضر في قمة الوسائل السمعية البصرية المستعملة في محاصرة المستهلك وتحقيق أهداف الإشهار عن طريق التكرار المتواصل لوصلاته.

3- النظرية السيكولوجية : تركز على الجانب اللاواعي في المستهلك بشكل خاص كالرغبة الخفية والغريزية، وأيضا المشاعر والعواطف الخاصة التي تجعل منه مسلوب الإرادة، يقتني المنتوج بدافع الرغبة، ويتم هذا عن طريق ضبط مواطن الإغراء وممارسة التأثير النفسي والوجداني عليه، بحيث لا يقف هذا التأثير عند حد الشراء الأول بل يتحول إلى هوس سيكولوجي بالفعل الشرائي.

4- النظرية الجمالية : تركز على أساليب الأداء الفني (إخراج سينمائي، موسيقى، ألوان، تشكيل…) بالإضافة إلى أدوات اللغة الأدبية وغيرها التي تمكن من تمرير السلعة إلى أذواق الناس واكساب المنتوج ملمحا جماليا مثيرا، وغالبا ما يتم التنازل عن الجانب المادي لفائدة الفن والمتعة الجمالية.

5- النظرية الاجتماعية : وتهدف هذه النظرية إلى تمجيد السلعة باعتبارها مرتبطة بعادات وتقاليد أصيلة لفئة اجتماعية معينة أو للمجتمع بكامله وكأنها تدعو المستهلك إلى الانتماء إلى نخبتها إذا ما قام باقتنائها.

6-النظرية الاقتصادية : “تعتمد هذه النظرية على المنافسة في الأثمنة، أي على الجانب الاقتصادي في النفقات الفردية، بحيث يتم الإيهام بأن السلعة أو الخدمة ممتازة وأن السعر لا يضاهى ويلحق بهذا الجانب كل الوسائل المقترحة للتسهيلات في الأداء بما فيها القروض والأقساط الشهرية وغيرها…” (3).

2- المحور الثاني : المقاربة النفسية – الاجتماعية للإشهار الموجه للطفل.

أثبت علم النفس الاجتماعي أن اكتساب الأنساق القيمية والنظم السلوكية يختلف من طفل إلى آخر، وذلك بناء على مجموع الاستعدادات النفسية والإدراكية لكل طفل ومدى قدرته على تمثل تلك الأنساق عن طريق التعاملات مع كل ما يوجد في محيطه.

وبناء على هذا يكاد يجمع علماء النفس وكذلك الباحثون في مجال التواصل بصفة عامة والتواصل الإشهاري بصفة خاصة على أن الإشهار يحضر كنسق يمارس تأثيره على الأطفال كما يمارسه على الكبار، ويؤثر في رغباتهم واختياراتهم وتساؤلاتهم، وذلك حسب فئتهم العمرية وجنسهم وبيئتهم الاجتماعية التي يعيشون فيها، ونعتقد أن جل الأطفال إن لم نقل كلهم ينجذبون منذ سنواتهم الأولى إلى التلفزيون وعلى وجه التحديد إلى الوصلات الإشهارية. ولا يعود انجذابهم العفوي هذا إلى فهمهم للرسالة الإشهارية، لأن قدراتهم الإدراكية لا تؤهلهم بعد لذلك، بل يعود إلى تقنيات التأثير المتنوعة الموظفة فيها، وإلى نوعية المشاهد والصور والعبارات اللغوية وإلى التشكيلة اللونية التي يستعملها منتجو هذا الخطاب التي ينبغي أن تؤدي بالتأكيد إلى أهداف تواصلية تم التخطيط لها جيدا من خلال تعزيزها ودعمها بالإحاطة الواسعة والدقيقة بطبيعة  المتلقي النفسية وخصوصياته الاجتماعية، على أساس أن هذه المقومات هي التي ستجعل الخطاب الإشهاري غنيا بالدلالات والمضامين التي تثير الطفل وتشده إليها وتجعله يتفاعل معها.

ولذلك فالإشهار الموجه للطفل يحيط في إستراتيجيته بالاعتبارات السيكولوجية والبيولوجية والاجتماعية لهذا الطفل فيعمل على صياغتها في قوالب وأساليب فنية وجمالية ولغوية تتناسب وقدراته العقلية ومستواه الإدراكي وحصيلته اللغوية، كما أنه يستوجب في منتجيه أو المشتغلين في حقله، التوفر على مهارات فكرية ونفسية أهمها “القدرة على فهم الأطفال فهما دقيقا من الناحية العاطفية والذهنية والجسدية.

  • عدم الاستخفاف بذكاء الأطفال واحترام ميولاتهم ورغباتهم واستطلاع آرائهم وإعطائها ما تستحقه من الاهتمام.   
  • معرفة كل ما يجذب اهتمام الطفل ويثير مشاعره سلبا أو إيجابا”(4) .
  • معرفة الحالات والمواقف التي تدفع الأطفال إلى القيام بردود أفعال معينة كالدهشة والانفعال ومعرفة كل ما يثير إحساسهم بالمتعة والطمأنينة ولا يجرح مشاعرهم.

    وعلى المستوى النفسي والفني يجب أن يراعي الإشهار في إنتاج خطاباته المواصفات التالية :

  • سرعة إيقاع الوصلة وقصر حيزها الزمني.
  • وضوح وبساطة فكرة الخطاب وديكوره والحركات المستخدمة فيه.
  • سلامة النطق وحسن الإلقاء وانتقاء دقيق للعبارات والموسيقى والأغاني.
  • إدخال عنصر الفكاهة والتسلية لخلق الفرجة لدى الطفل بشكل يؤدي به إلى تقبل الوصلة بكل سهولة.

3- المحور الثالث : سيكولوجية الطفل :

لقد أدى تباين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والتربوية إلى صعوبة تحديد علمي للمميزات العامة لسيكولوجية الطفل في كل مرحلة من مراحل الطفولة، وذلك بسبب تباين ميولات الأطفال وحاجياتهم ودوافعهم المتغيرة عبر مراحل نموهم الفيزيولوجي والنفسي، مما حذا بالباحثين في علم النفس إلى اللجوء إلى تحديد عام لسيكولوجية الطفل على الشكل التالي :

1- المرحلة الأولى : تشمل الأطفال من فئة ثلاث إلى ست سنوات، ويتميز الأطفال فيها بقدرتهم على الاستجابة بشكل تام، فهم يبكون بكل طاقتهم الكاملة ويضحكون بالطاقة نفسها ويستجيبون بأجسادهم وعواطفهم، كما أنهم في هذه المرحلة يغلب عليهم الفضول وحب الاستطلاع والرغبة في استكشاف كل ما هو جديد وخاصة الأشياء التي يمنعها عنهم الكبار، وكذلك الحركات والأشكال والانطباعات البصرية القوية، فيميلون بذلك إلى سماع القصص والحكايات عن الحيوانات والطبيعة وعن المخلوقات الأسطورية أو عن قصص أو رسوم متحركة تثير ضحكهم أو حزنهم.

2- المرحلة الثانية : تهم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين سبع وعشر سنوات وتتميز بالخيال الواسع اللامحدود للأطفال، كما أنهم يتحكمون أكثر في معطياتهم الجسدية والحركية بشكل يظهرهم أكثر اتزانا نفسيا وجسديا، كما تعتبر هذه المرحلة في حياة الأطفال فترة اجتماعية مركزة. لذلك فهم يهتمون بالنشاطات الجماعية ويحاولون تطبيقها على نشاطاتهم الذاتية، فيميلون أكثر إلى لعب أدوار البطولة والمغامرة.

3- المرحلة الثالثة : تشمل أطفال ما بين سن العاشرة والخامسة عشر ، وفي هذه المرحلة تصبح لدى الأطفال ميولات أكثر إلى الاستقلال والتحرر معلنين عن بداية التحول في شخصيتهم وهو ما يسميه عالم النفس سيغموند فرويد بالانتقال من مرحلة الكمون العاطفي إلى مرحلة المراهقة وهي أشد المراحل حساسية لأن الأطفال سيودعون مرحلة الطفولة إلى الأبد ليعانقوا مرحلة جديدة من النضج الجسدي والعاطفي والنفسي. ومن أهم ملامحها الشدة والتحدي والرفض خاصة تجاه السلوكات والمواقف التي تمارس عليهم نوعا من الضغط.

         إن هدف الخطاب الإشهاري بموجب مكوناته المادية وأبعاده النفسية والاجتماعية هو إقناع المتلقي، وإذا كان الأمر يتعلق بالطفل، فإن استناده على علم النفس الاجتماعي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الطفل العقلية والإدراكية في كل مرحلة عمرية ينتقل إليها، ففي مرحلة الطفل الأولى يعتمد الإشهار أساسا على المواصفات التالية :

  • الاعتماد على الحركة أكثر من الكلام ونقل فضاء الحيوانات والطيور وكل ما يجعل الطفل يكتشف عوالم مختلفة عنه.
  • استخدام العرائس و الدمى و الرسوم المتحركة أو الكرتونية و كل ما من شانه أن يحقق المتعة و التسلية.
  • الاعتماد بشكل كبير على البساطة، وذلك باستعمال الأحجام والألوان والموسيقى والأغاني.

        أما في المرحلة الثانية والتي قلنا عنها أنها تتميز عند الطفل بالخيال المنطلق وحس المغامرة، فإن الخطاب الإشهاري يراعي ما يلي:

  • الاعتماد على الخيال وقصص المغامرة.
  • الانطلاق من البيئة الاجتماعية.
  • صياغة أفكار بسيطة وواضحة تجعل من الخطاب الإشهاري صورة مؤثرة ومبهرة للطفل.

    وفي المرحلة الثالثة التي يبدأ فيها الإحساس البطولي بالتشكل لدى الطفل، فيبدأ بالتمحور حول ذاته ويرقى إلى ما يحيط به، فإن الإشهار يركز بالأساس على :

  • تحديد أهدافه ورسائله بدقة.
  • الارتكاز على المثل والقيم العليا.
  • مخاطبة وجدان وعقل الطفل واستعمال الوسائل الكفيلة بالتأثير عليه وإقناعه.

4- المحور الرابع : الطفل والإشهار التلفزي بين التأثير الإيجابي والأثر السلبي :

        يكاد يجمع كل الباحثين في ميدان التواصل عموما والتواصل اٌلإشهاري خصوصا، أن الإشهار وخاصة التلفزي يمارس تأثيره الكبير على كل الأطفال، لكننا نتساءل عن نوعية هذا التأثير هل هو إيجابي أم سلبي ؟

        إن من سمات الخطاب الإشهاري أنه يولد لدى الجمهور وخاصة جمهور الصغار استجابات ساخنة  تجعله في بؤرة الانفعال والتأثر بما يراه ويسمعه.       وتتجلى هذه الاستجابات في ردود فعل الأطفال التي تكون في الغالب تجاوبا مع موسيقى وصلة إشهارية أو تكرار إحدى لازماتها أو عباراتها وأحيانا الصمت والسكون إلى حين انتهاء الوصلة. ويؤشر هذا على مدى ارتياحهم ومدى تناغمهم مع الوصلات الإشهارية .

     غير أن رينولد برغلر Reinhold Bergler  يذهب عكس هذا التصور الذي يميل إلى جعل تأثير الإشهار التلفزي ايجابيا ، ويقدم خمس أطروحات تؤكد كلها على التأثير السيء للوصلات الإشهارية التلفزية على الأطفال :

1- الأطروحة الأولى: يعتبر الأطفال أكثر المستهلكين للتلفزيون وهم بذلك عرضة للإشهار الذي يتسبب في فقدان توازنهم النفسي.

2- الأطروحة الثانية: يتأثر الأطفال بالإشهار بسهولة ولذلك فهم تحت رحمته ويكونون مسلوبي الإرادة أمامه، لأنهم ليس لهم القدرة بعد على التمييز بين الإشهار والبرامج التلفزيونية الحقيقية.

3- الأطروحة الثالثة : يتسبب الإشهار في زيادة طلبات الأطفال التي غالبا ما تلبى، لكن بعد معاناة نفسية مع الآباء الذين يقاومون تلك الرغبات.

4- الأطروحة الرابعة : ليس للأطفال القدرة على فهم ما يجري في الواقع ولا على إصدار أحكام صحيحة أو توقع المخاطر، وبالتالي  فهم غير مؤهلين لفهم أساليب الإشهار التضليلية ولا “الواقع الأعلى” (5)  كما يسميه هيبر ريال Hyper Real حيث يحل التلفزيون محل الواقع.

5- الأطروحة الخامسة: يعجز الآباء عن مواجهة تأثير الإشهار التلفزي على أبنائهم وبالتالي يفشلون في حمايتهم.

وتقييما لأطروحة برغلر، نرى أن الإشهار بالفعل يمارس تأثيرا سلبيا على الطفل ويوظف في ذلك كل التقنيات الكفيلة بجعله يتحول إلى فاعل يقود في اتجاه إتمام العملية الشرائية وذلك بالضغط على الآباء. وفي بعض الوصلات الإشهارية يتم استغلال الطفل نفسه، لأنه ببراءته وحسه الطفولي الذي يتسم بالصدق يكون أكثر تأثيرا من البالغ كما في وصلات مساحيق التصبين والحليب و الجبنة والبسكويت والحفاظات…

       ومن مظاهر التأثيرات السلبية النفسية والاجتماعية للإشهار التلفزي على الطفل كونه ينزع إلى :

 1- تقليد الإشهار : فبدافع الميل الطبيعي إلى التمثيل وتقمص أدوار الكبار يحرص الطفل على إعادة إنتاج ما ورد في الإشهار الذي قد يكون أحيانا خادشا للحياء أو يلقنه قيما وسلوكات تنتمي إلى عالم الكبار.

 2-  عيش حياة بين الواقع والخيال : فمن السمات الأساسية للإشهار هو “التخيل” الذي قد يضع عالما مثاليا يتمناه الطفل. لكن الخوف الكبير هو أن بعض الأطفال يفقدون صلتهم بالواقع، فيصعب عليهم التكيف مع واقعهم الحقيقي، فيبحثون عن صورة العالم المثالي الذي شاهدوه في الإشهار ولا يجدونها، فيخلف هذا فجوة في نفسيتهم يصعب علاجها، كأن يقدم الإشهار مثلا صورة أطفال يعيشون في بيت جميل، عدد أفراده لا يتعدى الأربعة، علاقتهم جد متينة وحياتهم مليئة بالحب والسعادة، في حين أن الذين يشاهدون هذه الوصلة يعيشون في وسط نقيض لذلك الواقع، أفراده كثر و يعيشون في عسر وضيق مادي، فالإشهار هنا يستفزهم ويؤدي بهم إلى الشعور بالإحباط في غياب الإمكانات المادية للآباء مما يؤدي بهم في أحسن الأحوال إلى كبت رغباتهم، وقد تكون النتائج أفظع فيعلنون التمرد والعصيان على الأسرة وعلى الواقع ككل.

        وهناك فئة أخرى من الأطفال الذين يعيشون في يسر وبحبوحة من العيش، تحرص أسرهم على تلبية جميع طلباتهم التي يغري بها الإشهار، فيعاودون طلباتهم مرة ومرات، لكن استجابة الآباء اللامشروطة لهذه الطلبات يفقد الصغار المتعة في حيازة الأشياء التي يرغبون فيها، وقد يسقطون في شرك الإدمان على الشراء بهدف تحقيق السعادة النموذجية التي قدمها طفل الإشهار إلى أن يتسلل الملل أو اليأس إلى قلوبهم.

        وبهذا فالإشهار يعمل على خلق الروح الاستهلاكية بدل الروح الإنتاجية لدى الطفل، لأنه يبرز المنتوج بمعزل عن الجهة التي أنتجته ويعمل لصالح المتعة و الاستهلاك وعدم العمل بالقواعد الصحية كالإكثار من استهلاك الحلويات والسكريات.

        إلا أن هذا لا ينفي بعض الجوانب الإيجابية في الخطاب الإشهاري التلفزي إذا أحسن توظيفه، بحيث قد يصبح مصدرا مهما للمعلومات الجديدة والمتنوعة التي يكسبها الطفل من خلال مشاهدته المتكررة للوصلات الإشهارية، مما يجعلها أرسخ وأبقى في ذاكرته. إنه في حالة استجابة كلية وكاملة حيث تتجدد مداركه الفكرية وتوثق الصلة بينه وبين العالم الخارجي، فيتحول الإشهار إلى مصدر للمعرفة والتعلم، كما أنه أحيانا يقوم بتصحيح بعض أفكاره الخاطئة عن الأشياء التي تتعلق بحياته أو التي كانت لديه عنها رؤية سلبية، فتكون للخطاب الإشهاري القدرة على تغيير مواقفه وحثه على تعديل أفكاره ليستطيع التمييز بين ما هو سلبي وما هو إيجابي، و تصحيح بعض سلوكاته. هنا يصبح الإشهار متنفسا وبديلا له لتفريغ الشحنات النفسية كالتوتر النفسي والعاطفي وتغييرها إلى استجابات سلوكية تحقق له التوازن والانسجام مع ذاته ومع الآخرين.

خاتمـة:

        إن انجذاب الأطفال إلى الإشهار التلفزي يتأتى من كونه يوفر لهم مثيرات تنتمي إلى عالمهم، ومن ثمة تكون لهذا الإشهار آثاره البعيدة في مراحل الطفولة وتكون الاستجابات والتكاليف اكبر وتكون هذه الآثار أبلغ وأعمق كلما تعلق الأمر بأطفال بدأت بوادر النضج تظهر عليهم، وكذلك الذين يعانون من مشاكل أسرية وخاصة أطفال الطبقة المعوزة والفقيرة الذين يعيشون لا محالة حالات نفسية وأوضاعا سوسيولوجية تتجلى في تعلقهم الكبير ورغبتهم الجامحة في الحصول على المنتوجات التي يعرضها الإشهار كالملابس والشكولاطة والبسكويت والمشروبات …وأحيانا يضعهم هذا الإشهار أمام مفارقة صعبة بين الحرمان من الشيء والرغبة في الحصول عليه في غياب الإمكانيات المادية لآبائهم، الشيء الذي يؤثر سلبا عليهم ويعمق إحساسهم بالدونية والنقص. 

ذة. الزوهرة الجهاد / المغرب

Zohra Eljihad / Maroc


المراجع المعتمدة بالعربية

1-علم النفس الأجتماعي، سعد جلال، الإسكندرية منشأة المعارف (1984)

2- حياتي و التحليل النفسي، سيغموند فرويد، ترجمة مصطفى صفوان – دار المعارف ( 1969)

3- ارتقاء القيم ( دراسة نفسية)، عبد اللطيف محمود خليفة، سلسلة عالم المعرفة، العدد 160

4- الإتصال الإنساني و علم النفس، محمد أحمد النابلسي، دار النهضة العربية           (1991)

5- مدخل لدراسة الإشهار – حميد الحمداني، مجلة علامات – العدد 18 (2002 )

6- حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية – مصطفى حجازي، المركز الثقافي العربي


المراجع المعتمدة بالفرنسية و الإيطالية

1- Essais de Psychanalyse, Freud, Payot – Paris (1951)

2- L’empire des signes. Roland Barthes. Ed Puf (1983)

3- Les effets de la publicité commerciale sur les enfants – Reinhold Bergler

4- Rhétorique de l’image, Roland Barthes, Paris – Seuil 1982

5- Che cosa è la publicità?, Vanni Codeluppri, Carrocci, Collana le Bussole, (2001) Roma

6- La publicità, teorie e prassi, Fabris Giampaolo, Franco Angeli (2004)


1- L’empire des signes. Roland Barthes. Ed Puf (1983) p.68

  2- مدخل لدراسة الإشهار – حميد الحمداني، مجلة علامات – العدد 18 (2002 ) ص 76

  3- نفس المصدر السابق، ص 77

4 – Les effets de la publicité commerciale sur les enfants – Reinhold Bergler.

5 –  حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية – مصطفى حجازي، المركز الثقافي العربي، ص 44.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *